ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
84
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
فواق ، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب . اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب فهذا الكلام إذا تأمله المتأمل لم يجده متصل المعنى ، ولم يتبين له مجيء ذكر داود عليه السلام ردفا لقوله تعالى : اصبر على ما يقولون وإذا أراد أن يقدر هاهنا محذوفا يوصل به المعنى عسر عليه ، وتقديره يحتمل وجهين : أحدهما : أنه قال : اصبر على ما يقولون وخوّفهم أمر معصية اللّه وعظّمها في عيونهم بذكر قصة داود الذي كان نبيّا من الأنبياء وقد آتاه اللّه ما آتاه من النبوة والملك العظيم ، ثم لما زلّ زلّة قوبل بكذا وكذا ، فما الظن بكم أنتم مع كفركم ؟ الوجه الآخر : أنه قال : اصبر على ما يقولون واحفظ نفسك أن تزلّ في شيء مما كلّفته من مصابرتهم واحتمال أذاهم ، واذكر أخاك داود وكرامته على اللّه كيف زلّ تلك الزلّة فلقي من توبيخ اللّه ما لقي ؛ فهذا الكلام كما تراه يحتاج إلى تقدير حتى يتصل بعضه ببعض ، وهو من أغمض ما يأتي من المحذوفات ، وبه يتنبه على مواضع أخرى غامضة . وأما ما ورد من هذا الضرب في حذف الجمل التي ليست بمفيدة فنحو قوله تعالى : يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا . قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا . قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا . قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا . فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا . يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا هذا الكلام قد حذف منه جملة دلّ عليها صدره ، وهو البشرى بالغلام ، وتقديرها : ولما جاءه الغلام ونشأ وترعرع قلنا له : يا يحيى خذ الكتاب بقوّة ، فالجملة المحذوفة ليس من الجمل المفيدة . على هذا النهج ورد قوله تعالى : ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى . قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري